الجصاص
167
الفصول في الأصول
الفصل ضربا من الاجتهاد ، تقوى معه في النفس بقاء حكم الخبر الأول دون الآخر . قال أبو بكر رحمه الله : وقد بينا فيما سلف من أبواب النسخ : ما كان يقول أبو الحسن رحمه الله في خبري الحظر والإباحة ، إذا لم يعلم تاريخهما : إن خبر الحظر أولى ، واحتجاجه له ، بل الإباحة لما كانت هي الأصل ، والحظر طارئ عليه ، كان حدوث الخطر على الإباحة متيقنا ، ولسنا نتيقن بعد ذلك حدوث الإباحة على الخطر . وذكرنا من نظائر ذلك : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة أكل الصيد ، وما روي عنه في النهي عنه ، ونحو ما روي ( أن الفخذ عورة ) وما روي في ( إباحة النظر إليها ) وما جرى مجرى ذلك . وحكينا ما ذكره محمد ( 1 ) في كتاب الاستحسان : بأن أحد المخبرين إذا أخبر بنجاسة الماء والآخر بطهارته ، ولم يكن للسامع رأي في ترجيح أحد الخبرين : أنه يسقط خبرهما جميعا ، ويكون الماء باقيا على أصل طهارته . وبينا : أن نظير ما ذكره محمد من أخبار أحكام الدين هو الذي قدمنا القول فيه بدأ في صدر هذا الكتاب ، وأن أحد المخبرين فيه غلط لا محالة ، كرواية من روى : أنه تزوج ميمونة وهو محرم ومن روى : أنه تزوجها حلالا ، وأنه ليس نظير الماء ، لما ذكره محمد من القسمين الآخرين ، اللذين ذكرنا : أنه جائز أن يكون الخبران جميعا صحيحين في الأصل ، وأحدهما منسوخ بالآخر ، وليس ما ذكره محمد في خبر المخبرين بطهارة الماء ونجاسته مخالف الخبرين المتضادين الذين ذكرنا في صدر هذا الباب في المعنى ، وذلك لأنه إنما قال : أسقط الخبرين إذا تساويا ، ولم يكن له رأي في ترجيح أحدهما . والأخبار التي ذكرنا في نكاح المحرم وغيره ، وقد ثبت لما ذهب إليه ترجيح أحد الخبرين ، نحو حديث ابن عباس وروايته : ( أنه كان محرما ) ، ( لتعارضها مع رواية ) ( 2 ) يزيد بن الأصم : ( أنه كان حلالا ، كما قال جابر بن زيد ، لعمرو بن دينار ، حين عارض خبر ابن عباس . وكذلك ما ذكرنا من نظائر هذا الخبر ، يجوز أن يكون ذهب فيها إلى ضرب من الترجيح ، أوجب كون أحدهما أولى بإثبات حكمه من الآخر . ويجوز أن يقال : ليس الخبر بنجاسة الماء وطهارته أصلا للإخبار في أحكام الدين ،